عبد الجبار الرفاعي
326
محاضرات في أصول الفقه شرح الحلقة الثانية
كيف ينشأ القطع بالدليل الشرعي من الاجماع ؟ عندما نلاحظ فتاوى الفقهاء في الاجماع واحدة واحدة ، فلا بد من أن يكون كل فقيه قد استند إلى دليل شرعي في فتواه ، وان لم يصلنا ذلك الدليل . وهنا نسلك الطريقة ذاتها في تراكم احتمالات الاخبارات في التواتر ، وان كانت قيمة الاحتمال هنا أقل منها في الاخبارات التي يتألف منها الخبر المتواتر ، فاحتمال الإصابة في الاجماع نفرضه 40 % أو 50 % أو 60 % مثلا ، اما احتمال عدم الإصابة ( الخطأ ) فيحتمل ان الفقيه عندما أفتى اعتمد على دليل غير تام في المقام ، أي استفاد من دلالته حكما لا يمكن استفادته ، أو ان هذا الدليل غير تام من الناحية السندية ، فاحتمال عدم الإصابة كان بدرجة 60 % أو 50 % أو 40 % مثلا . بمعنى ان احتمالات عدم الإصابة تمثل كسورا ، وهذه الكسور نتعامل معها كما في التواتر ، فنضرب كسرا في كسر آخر ، وهذه الكسور كلما ضربناها ببعضها تنخفض قيمتها ، حتى نصل إلى رقم لا يستطيع الذهن أن يحتفظ به عمليا أو واقعيا لضآلته . وبتعبير آخر : ابتداء تسير عملية تراكم الاحتمالات وحصول اليقين بالتدريج ، فان احتمال الموافقة والإصابة ينمو على أساس التوالد الموضوعي ، إذ يتراكم احتمال الإصابة وينمو بالتدريج ، فيما ينخفض احتمال عدم إصابة الفقهاء للدليل الشرعي ، فينخفض ويضمحل بشكل تدريجي . وهذا التوالد الموضوعي يتحرك إلى أن يصل إلى مرحلة يكون فيها احتمال عدم الإصابة للواقع احتمالا ضئيلا جدا جدا ، بحيث لا يكون الذهن قادرا على الاحتفاظ به عمليا أو واقعيا ، وهذا ما يعبر عنه المصنف بالتوالد الذاتي ، أي انه في مثل هذه الحالة الذهن يتخلص ذاتيا من مثل هذا الاحتمال .